متلازمة الشخصية الرئيسية هي من أكثر المواضيع التي بُجّلت إلى أن أُسيء فهمها، أن تعتبر نفسك أكثر أهمية من سواك، أن ترى العالم بأجمعه هنا لخدمتك أنت وحدك، برأيي هذه أنانية قبيحة مغلّفة كمفهوم لحب الذات…
لنتخيل أننا في مكان عام لوهلة، لننظر حولنا بدلًا من الاعتقاد أننا مُراقبون، امرأة هناك مع طفلها، ربما لم تنم جيدًا تبدو مرهقة ولكنها تعطي كل ما أمكنها من اهتمام وحب لطفلها، وبالجهة المقابلة فتاة في مقتبل العمر تنظر بقلقٍ إلى شاشة هاتفها، ربما تلقت خبرًا سيئًا يقلب حياتها رأسًا على عقب، وأمامنا امرأة كبيرة في السن، تحارب آثار الشيخوخة على جسدها وصحتها، تفكّر، ماذا سيفعل أبناؤها وأحفادها بعدما تفارق حياتها، فجأة طفل يعبر من أمامنا بسرعة البرق وتصل إلى مسامعنا أصوات ضحكاته الرنانة، بالنسبة إليه، هذا اليوم لا يقارن بغيره، لأن والده أخيرًا تفرّغ للّعب معه. شخص ما قال وداعًا للمرة الأخيرة، وآخر أخذ قرارًا صعبًا للغاية كلّفه الكثير. كل شخص من هؤلاء الأشخاص يمتلك ذكرياته الخاصة، ربما ذكرى سعيدة تعاودهم باستمرار ويختبئون خلفها في أيامهم الصعبة، ربما أغنية مفضلة تعني لهم الكثير، ربما حلمًا ما يريدون تحقيقه لم يذكروه البتّة لأحد، لديهم ما يكفي من الأمور التي تخيفهم وتقلقهم، حياة كل فردٍ منهم قصة كاملة ببدايتها وأوجها ونهايتها. ولكن بالنسبة لنا، هم فقط غرباء صادف أن قابلناهم في هذا المكان وهذه الزمان بالذات.
لا أحد حقيقة يراقبك، وهذه معلومة مريحة لحدّ كبير، لا داعي بأن تعزل نفسك وتتوقع أن الكل ينتظرك لتخطئ، فيسخر منك. عش لحظاتك كما هي واستمتع بها، وأجزم لك، أنه لا أحد سيتذكر ذلك على أية حال. لأن كل فرد ومن ضمنهم أنت، منغمس بعالمه الخاص، الكل يعتقد أن الآخر يراقبه إلى أن ينتهي اليوم والكل منغمس بذاته ولا أحد حقيقةً يلقي نظرة عمّ يحتاجه الغير من مساعدة. لابد أن نتعلم كيف نكون حاضرين في اللحظة، في هذه التجربة الإنسانية التي من المفترض أن تعمل كسيمفونية ضخمة بانسيابية. لاحظ كيف يغلبنا الجو العام لمكانٍ ما، فنتأثر به سواءً سلبًا أو إيجابًا. كيف نمتدح أماكن سياحية أعطتنا رشفة من سيمفونية البشر بسبب انخراط الأفراد فيها معًا، وتفاعلهم الحاضر تمامًا مع بعضهم البعض. نتشارك نفس الأرض ونفس السماء ونفس الطريق الذي مررنا به للتو، أو نفس المقهى الذي احتسينا كوبًا من القهوة فيه، ولكن ما زلنا غرباء تمامًا وكأننا لسنا جميعًا بشرًا. ننظر لبعضنا ولكننا لا نرى حقيقة، لا نرى كيف يحتاجنا الآخر وكيف كان من الممكن أن نجعل يومه -بالتالي يومنا- أفضل! جميعنا نعلم بأن حياتنا أجمل بكثيرعندما نترك أثرًا بيوم أو بحياة شخصٍ ما. فالإنسان كائن اجتماعي، والتأثير الجيد الذي يتركه يؤثر به في المقابل، وكذلك السيء.
أن ترى العالم بعدستك الخاصة فقط أنانية، ولكنها أنانية لابد منها، لن تستطيع الهرب من أفكارك وحدودك وأحكامك التي تسقطها على حياتك وحياة غيرك، ولكن لابد من محاولة تفهم الغير وأن ترى العالم ولو لوهلة من وجهة نظرهم، أن تتعلم بأنك لست محقًا تجاه كل شيء والبقية مخطئون، في مواقف أخرى أنت المخطئ حقيقةً والآخر كان على صواب! تقبّل اختلاف الغير، كل شخص تلقى تربية مختلفة، ربما في بقعة جغرافية مختلفة، وربما حتى يتحدث بلغة مختلفة، والأكيد ظروف معيشية مختلفة، لا يحق لك الحكم عليها إلا إن عشتها. حتى أفراد العائلة الواحدة مختلفون تمامًا، وحتى التوأم رغم تشابههم المادي، جوهرهم مختلف تمامًا. فما بالك في الغريب الذي تطالبه بأن يفهمك وأنت لا تُبدي أي رغبة لتفهمه أولًا؟
هناك حقيقةً مواقف كثيرة ألوم نفسي عليها، مثلًا عندما أريد الجدال أن يكون لصالحي فلا أسمع ما يقوله الآخر إلا ما يٌثبت أقوالي. عندما أعيش يومي بأكمله وأنا لا أعلم ما يحدث مع دائرتي الخاصة من العائلة والأصدقاء. عندما أذهب لمكانٍ عام فأرى طفلًا صغيرًا ينظر إلي فلا أتفاعل معه أو أبتسم أو ببساطة أُلقي السلام عليه. عندما يحتاج أحد مساعدة ما وأنا على عجلة من أمري فلا أتوقف لأساعده، لأنني “مهمة” أكثر منه. وحقيقة هذه أشياء طبيعية، ولكن أعلم بأنها ليست طبيعتنا كبشر، عندما أرى كيف تتفاعل مشاعري معها؛ شعور بالندم وأن يومي كان ليصبح أجمل لو فعلت هذه اللفتة فقط، ولكنني كنت خائفة أو كنت بوهم “الشخصية الرئيسية” فأربكتني مراقبة الآخر لي -الغير موجودة حقيقة- ولكن أنا واعية حدّ اللعنة بحاجة الآخر، لأنني تعلمت منذ عمر صغير مراقبة مشاعر واحتياج الآخر، ولذلك يرهقني عندما أنتبه ولا أتبعه بفعل.
لا حاجة للقول بأن خير الأمور أوسطها، لا يمكنك أيضًا أن تكون على مدار الساعة مكرّسًا وقتك للآخر، طبعًا لا، ولكن ان كنت برفقة أحدٍ ما، كن هناك حقًا، كن موجودًا في اللحظة، انغمس بها ولوّنها ومُدّها لتطول وشكّلها كما تريد، لأنها ستصبح أروع ذكرى لك ولمن شاركك بها. شارك أفراح الغير لتكبر وقاسمهم أحزانهم لتهون. دائمًا ما أستمع للناس يوجّهون أصابع الإتهام بأن الآخر لم ينصت لهم، لم يعذرهم في موقف ما، لم يفعل هذا وذاك لهم، ولكن دائمًا ما أتساءل: “طيب انت سويت؟” حاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك، هذا عين العقل والعدل، لا يمكن أن تطالب غيرك بما لم تقدمه له! بداخل كلّ منا عالم كامل لا يلاحظه الآخر، لا تتكشّف هذه العوالم إلا عندما ننظر لبعضنا حقًا، وننصت لما وراء الكلمات، أن تحمل النظرات واللمسات معنى يفوق تجلّيها المادي.
برأيي الطريقة الأمثل لتوسيع مداركك فيصبح من السهل فهم غيرك وتخيّل نفسك مكانه، هي استهلاك الفن بأنواعه، لأن الفن لا يحدّه حكم ما، لا يوجد صحيح وخاطئ، متنوع ومتلوّن ومتجدد، استهلاكه يعلّمك مدى تنوع الذائقات بالتالي مدى تنوع الشخصيات. بالنسبة لي، القراءة ومشاهدة الأفلام هما الوسائل الأمثل التي تجعلني أعيش القصة المطروحة تمامًا بعين الشخصية الرئيسية، فأبكي لبكائها، وأفرح لفرحها، وأتفق معها لأنني فهمت خلفيتها وماضيها، فمختلف الكتب بمختلف الحقب الزمنية والسيناريوهات، وكذلك الأفلام، كانت قادرة على إحداث العجب في جعلي أرى ضخامة العالم وجمالية اختلاف الشخصيات والقناعات، منهما مشاعري أصبحت حية، بالتالي التعاطف والذكاء الأجتماعي نقاط قوة أصبحت تميزني. وأيضًا الحوارات العميقة مع مختلف الشخصيات تفتّح مداركك لآراء مختلفة، حتى نقاشات نادي القراءة لها الفضل في تطوير هذه المهارة عندي، جميعنا نقرأ ذات الكتاب ولكن كلّ منا يحمل رأيًا وتفسيرًا وشعورًا وتجربة كاملة مختلفة خاصة به، يحملها معه لمشاركتها في النقاش. ناقش وحاور وكن فضوليًا حقًا لسماع وجهة نظر الآخر، لا تخض نقاشًا ان كان جلّ همك إثبات لماذا أنت على حق.
والطريقة الأخرى التي تعلمك كيف تخرج من منظورك ومن وهم الشخصية الرئيسية، هي أن تحسن الظن بغيرك دائمًا، يختصرها ما قاله ياسر الحزيمي في إحدى مقابلاته: “نفترض يجي واحد يضرب بوري وراي -بشكل مزعج جدًا- لما أقول هذا قليل أدب، وهذا تفسيري، بعصب! لما أقول مستعجل الله يعينه، يختلف… لما أدق عليك وما ترد وأشوفك مُتصل، وأقول ساحب علي، هذا التفسير يؤذيني أنا. طب وش الحل؟ الأفضل لي أنا أيش هو؟ إني أفسّر تفسير جيّد، ياخي شكله مشغول، وقتها أنا اللي برتاح. لذلك لعبة التفسير مليئة بالإحتمالات، وفقراء الأخلاق ينتقون الأسوأ منها.“
رغم بساطة كلامه هنا إلا أنني وجدته يختصر الكثير ممّ أريد قوله بهذه الفقرة، بأن العالم لا يتمحور حولك، لا يريد الجميع أذيتك، أو حتى إفادتك أنت دون غيرك! أنت لست مستهدف، فاخرج من عقلية الضحية. أحسن الظن دومًا، فبالنهاية عندما يتملكك وهم الشخصية الرئيسية لابد أن يُرافقها في كثير من الأحيان عقلية الضحية، أن تشعر بأن الكون ومافيه مسخّر لخدمتك وحدك، فتصبح أناني لا يهتم إلا لمصلحته وتبرر هذا الفعل تحت مفهوم حب الذات! وإن حصل شيء ما عكس إرادتك، تلوم الجميع عدا نفسك.
وأخيرًا، أنت الغريب في قصة أحدهم وهناك غريب في قصتك، الكل شخصية رئيسية، ولا أحد يشاهد…

