أشرقت شمس اليوم وأنا دانة ذات الأربعة والعشرين عامًا، لطالما كان هذا الرقم بالنسبة لي رقمًا كبيرًا في طفولتي، ولكن ها أنا الان أبدأ رحلة الاربعة والعشرين عامًا وما زلت ذات الطفلة. لم يتغير شيئًا سوى أنني جربت وخضت بالحياة أكثر، وأعتقد أن هذا هو التعريف المثالي للتقدم بالعمر، تجربة المزيد وخوض الحياة بشكل أوسع من العام الذي يسبقه، ولكن حقيقةً؟ ما زلنا ذات الطفل الذي تساءل عن مستقبله، ولا زلنا نتساءل…

أعتقد أن العام الفائت كان مليء بالتجارب بالنسبة لي، فيه تخرجت من الجامعة وهنا كانت بداية الخيارات اللانهائية في تحديد الخطوة القادمة، لأن المسار لم يعد مرسومًا كما كان؛ انتقالًا من مرحلة دراسية للأخرى. الان الخيار بيدي، وهذا شيء لم أعتده البتّة.

بعد التخرج اخترت التدريب لمدة ثلاثة أشهر في أكاديمية الطاقة والمياه في برنامج روّاد الطاقة المتجددة، وكانت رحلة خلّابة، تحديت فيها نفسي من جميع الجوانب، تعلمت فيها ما لا يمكن تعلمه ان لم أختار خوض الرحلة، قابلت أجمل الشخصيات وأنبغ العقول، وكنا السبعة عشر متدربة، دفعة مميزة لم ولن تشهد الأكاديمية مثلها، المسؤولين عن تدريبنا والمواقع التي قمنا بزيارتها كانت تثني على شغفنا وفضولنا، والأهم تناغمنا واهتمامنا ببعضنا. كنا عائلة في الغربة، ولمدة ثلاث أشهر كنا خير الصحبة والمعين لبعضنا.

وفي هذه الرحلة تحديت نفسي في عدة جوانب، وشهدت خصال مني لم أشهدها إلا بعد الخروج من منطقة الراحة وخوض الرحلة بكل شغف وفضول (لعلّي يومًا أسهب في تجربة التدريب أكثر في مقالة مخصصة). وبإذن الله لن تكون آخر تجربة، وستتوسع دائرة راحتي لدائرة أكبر وأكبر وأكبر!

وبالعام الفائت فقدت بيردي عصفورتي المتألقة، وقد آلمني ذلك. وقمت بتغيير غرفتي بدءًا من طلاء الجدران لكل شيء يليه، ومن يعرفني يعلم مدى تعلقي بغرفتي القديمة، فتغييرها بالنسبة لي هو قفزة كبيرة قفزتها ومن بعدها توالت القفزات، من تخرج وتدريب وفصل جديد يُفتح مباشرة بعد الآخر.

بالنسبة لي الحياة لا تقاس إلا بالتجربة، ولا تُصقل الشخصية إلا بالتجربة، ولو قرأت مئات الكتب وشاهدت آلاف الوثائقيات، إن لم أخوض الرحلة بنفسي فكل ما بعقلي هو فرضيات ليس إلا. فكرة أن الحياة واسعة بتعدد جغرافياتها وثقافاتها ولغاتها وعاداتها هي ما تجعل بريقي يسطع كبريق طفلة ما زالت تكتشف العالم وتشاهد كل شيء لأول مرة.

لا يسعني إلا أن أفكر في الثلاثة والعشرين عامًا الماضية، وأنا أكتب الان مشاعري أرى دانة بسن السابعة، بفضولها وعنادها واعتمادها على نفسها منذ سنٍّ صغير، أراها ترفض العودة للمنزل تقضي كل وقت فراغها بعد المدرسة تلعب في فناء المنزل أو أمام المنزل، تبتكر معظم ألعابها وتحلق بخيالها.

واستمرت هكذا حتى المرحلة المتوسطة، بثقتها العالية وحبها للظهور أمام الطابور الصباحي ومشاركتها في معظم أنشطة المدرسة في الإلقاء ومختلف المجالات، وتقديسها لوقتها مع صديقاتها وفترة الفسحة المليئة بالضحك الهستيري.

ثم دانة في المرحلة الثانوية، رغم بداية القراءة في المرحلة المتوسطة إلا أن القراءة في المرحلة الثانوية كانت بداية الهوس، الرغبة في تعلم كل شيء والرغبة في التميز في كل شيء، وما زال الإلقاء يرافقها، وجربت التمثيل باللغة الانجليزية في مسرح وعشقت تقمص شخصية غير شخصيتها، وأعتقد أن دانة في المرحلة الثانوية بدأت بامتلاك روحًا فنانة متذوقة للفن والجمال وعالم السينما، ينعكس هذا على بداية كتابتها للشعر في تلك الفترة واكتشاف اسلوبها بالرسم والكتابة وحبها للقراءة والافلام.

ثم المرحلة الجامعية، وبداية تكوين التفكير المنطقي والعملي الذي بدأ مع بداية دراستي للفيزياء، ما زلت في نفس الشاعرية والحساسية -هذا إن لم أصبح حساسة أكثر حقيقةً- ولكن تكوّن جزء مني لم أستشعره إلا بفترة الجامعة، كأنها عدسة مختلفة أنظر بها للعالم لأول مرة، عدسة تزن الحقائق أكثر من المشاعر، عدسة ترى الأمور على حقيقتها بدون تضخيم، عدسة تجعل الحياة أقل تعقيدًا، أو أكثر جمالًا رغم تعقيدها!

دانة في فترة الجامعة واثقة، تحب النقاش، لابد من السؤال في معظم المحاضرات، وبينما الأغلبية تذهب لمناقشة درجاتها مع كادر التعليم، كانت دانة تذهب لمناقشتهم عن مختلف الاسئلة في الفيزياء. دانة في فترة الجامعة فضولية ومتعطشة للعلم أكثر من تعطشها للتقييم. وهنا بدأت رحلة اختيار تعلم اللغة الثالثة، الأسبانية.

ما أنا فخورة به جدًا خلال كل هذه السنوات، أنني لطالما كان لدي نظرتي الخاصة تجاه كل شيء، ورحلتي الخاصة في كل شيء، وغالبًا ما كان مهمًا للغير لم يكن بذات الأهمية لدي، لذلك أتذكر مختلف مراحلي الدراسية بذكريات جميلة لأنني سمحت لنفسي التجربة بدون خوف، والتركيز على الصورة الأكبر بدلًا من القلق على أمور لن أتذكرها غالبًا.

لا أقول هذا لأن نهجي بالحياة هو الصحيح، لا بالعكس تمامًا، ما أحاول قوله هو أن لكل منا نهجه بالحياة ولكل منا مخاوفه وما يعتبره مهمًا بالحياة، والممتع أن الإنسان في تطور مستمر دومًا، ما يراه برّاقًا اليوم، قد يغدو أقل بريقًا في وقتٍ ما، تتبدل الأمور فقط لتُرى الحياة كأول مرة في كل مرة، فيتجدد الفضول داخلك.

عندما نعود للوراء من فترة لأخرى نرى الخيط الممتد من الماضي للحاضر ونرى ممّ يتكوّن نسيجه، والنسيج هو الثابت الذي سيمتد حتى للمستقبل.بالنسبة لي، يتكوّن هذا النسيج من عائلتي وصديقاتي، كلّ ما يهمني في الحياة يتعلّق بهم، وأولوياتي في الحياة متمحورة حولهم، وكل هدف أسعى لتحقيقه، هم دافعه.

قرأت مرة أننا نقوم بتصوير ما نخشى فقدانه أو نسيانه، وعندما عدت للصور الفورية في صندوقي وجدتها كلها صور لأحبابي، وعندما عدت لألبوم الصور في هاتفي، وجدته مليء بلحظات مع أحبابي، أيقنت حينها أن هذا ما يهمني حقًا، ترك أثر طيب بحياتهم، ومحاولة جعل رحلتهم بالحياة أجمل، لأنهم من أجمل الارواح التي أحاطت بي منذ ولادتي. أنا بنعمة حقيقةً، لإمتلاكي عائلتي بكل فردٍ يتألق فيها دفئًا وتميزًا، وبنعمة لإمتلاكي أفرادًا حولي كانو وما زالو عائلتي الثانية التي اخترتها لنفسي. مررت بصعاب ولكن كانت هينة لأنني محاطة بكم، وكنت سعيدة أشد السعادة لأنكم شاركتوني لحظاتها.

بالنهاية الحياة وتناقضاتها هي ما تجعلها بهذه المتعة، تخيل لوح الشطرنج في بداية اللعبة، مرتب ومريح النظر إليه، ولكن حقيقةً بغاية الملل، كل قطعة محرومة من امكانياتها وقدراتها في التحرك بحرية وخوض المعركة، ولكن بعد اللعب، مع كمّ الاحتمالات اللانهائية لكل لعبة وكل قرار، وعشوائية اللوح وصعوبة التنبؤ به، هو ما يجعل اللعبة حية ومليئة بالاثارة، متى عليك أن تضحي، متى عليك أن تهجم، متى عليك أن تدافع، متى عليك أن تقلب الخطة رأسًا على عقب في آخر لحظة لأن شيئًا ما غير مخطط له حدث، هذه هي الحياة.

هناك اقتباس من رواية مكتبة منتصف الليل أحبه،

 “مفارقة البراكين تكمن في أنها رمز للدمار وللحياة أيضًا. بعد أن  تبرد الحمم البركانية، تبدأ بالتصلّب ثم تنكسر بعد فترة من الزمن لتتحول إلى تربة خصبة وغنية بالمعادن.”  

وبجانب فكرة التناقضات في الحياة، أحب التفكير في أهمية القرارات التي نتخذها، وكيف أن قرار واحد مختلف يحوّل مجرى حياتك لمسار مختلف كلّ الاختلاف عن حياتك الحالية. أحب تخيل الأكوان المتوازية وكيف أنني موجودة في كل كون بحياة مختلفة تمامًا فقط لأنني قررت اتخاذ هذا القرار بدلًا من ذلك. ولهذا رواية مكتبة منتصف الليل من أجمل الروايات التي تتحدث عن هذه الفكرة، عن الندم وعن سؤال “ماذا لو؟”.

ولهذا أحب جدًا هذا الاقتباس أيضًا من الرواية:

«ولكن ربما كانت كلّ الطرق صعبة،
وربما كانت جميعها مجرد طرق.

في حياةٍ ما قد أكون متزوجة،
وفي أخرى ربما كنت أعمل في متجر.

ربما وافقتُ على عرض الشاب اللطيف
الذي طلب مني الخروج في موعدٍ معه لشرب القهوة.

في حياةٍ أخرى ربما كنتُ باحثة أنهارٍ جليدية
في القطب الشمالي،
وفي أخرى قد أكون سبّاحة أولمبية.

من يعلم؟

في كل ثانيةٍ من كل يوم
ندخل كونًا جديدًا.

ونقضي أوقاتًا طويلة
ونحن نتمنى لو تغيّرت حياتنا،
ونقارن أنفسنا بالآخرين،
وبنسخٍ أخرى منّا.

والحقيقة أن أغلب الحيوات
تحتوي على درجاتٍ من الجمال والقبح.»

«أقصد، ستصبح الأشياء أسهل بكثير لو فهمنا أننا لا يمكننا كسب مناعة ضد الحزن،
مهما كانت القرارات التي اتخذناها في الحياة.

وأن الحزن جزءٌ جوهري من نسيج السعادة؛
لا يمكنك الشعور بالسعادة إن لم تشعر بالحزن.

بالتأكيد، قد يأتيان بدرجات مختلفة وجرعات مختلفة،
ولكن لا توجد حياة سعيدة إلى الأبد.

واعتقادك بوجودها يزيد من تعاستك في حياتك الحالية.»   

لكل شخص يتساءل عن منحنى حياته لو أتخذ قرار مختلف أو سأل نفسه “ماذا لو؟” أنصحك أن تقرأ رواية مكتبة منتصف الليل.

عندما أتذكر كل لحظة بكيت فيها، وكل قرار صعب أتخذته راجيةً نتيجة مرضية، وفي كل مرة قلقت من مآلات الحياة، أتيقن أن الله مدبر الأمور أحسن تدبير، وأننا لو نظرنا إلى الحياة الرغيدة التي نتمناها ونظرنا لدقة وحكمة ربنا في ترتيب حياتنا، لاستغنينا عن خطتنا الرتيبة ولجأنا لخطة المدبر الحكيم. لأنني وبسبب ألمي في تلك اللحظة، لم أرى ما رآه الله لي من مستقبل أجمل من الذي أردته لي.

فسلمتك كل أمري يا الله يا حبيبي، بدون رحمتك وعلمك وكرمك ولطفك وسترك واحاطتك بي، لا أعتقد أنني كنت سأتنعم بهذه الحياة الكريمة التي أعيشها الان. فأسألك يارب أن تردني وأحبابي دومًا إليك ردًا جميلًا، وأن تثبت قلوبنا على دينك يا مقلب القلوب. وأن تجعلنا دومًا شاكرين لنعمك علينا ومدركين لها، لا أستطيع أن أحصر نعمك علي يا الله منذ ولادتي إلى الان فيارب ألهمني أن أشكر نعمتك.

كل عام وأنتِ بخير يا دانة!